محمد بن جرير الطبري

8

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عَلَقَةً يقول : ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة ، وهي القطعة من الدم . فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً يقول : فجعلنا ذلك الدم مضغة ، وهي القطعة من اللحم . وقوله : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً يقول : فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق سوى عاصم : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً على الجماع ، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك : " عظما " في الحرفين على التوحيد جميعا . والقراءة التي نختار في ذلك الجماع ، لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً يقول : فألبسنا العظام لحما . وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " ثم خلقنا النطفة عظما وعصبا فكسوناه لحما " . وقوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ يقول : ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر . وهذه الهاء التي في : أَنْشَأْناهُ عائدة على " الإنسان " في قوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة ، جعل ذلك كله كالشئ الواحد ، فقيل : ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فقال بعضهم : إنشاؤه إياه خلقا آخر : نفخه الروح فيه ، فيصير حينئذ إنسانا ، وكان قبل ذلك صورة . ذكر من قال ذلك : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حجاج ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : نفخ الروح فيه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا هشيم عن الحجاج بن أرطأة عن عطاء ، عن ابن عباس ، بمثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : الروح . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة ، في قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : نفخ الروح فيه . حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : نفخ فيه الروح . قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، بمثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : نفخ فيه الروح ، فهو الخلق الآخر الذي ذكر . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : الروح الذي جعله فيه . وقال آخرون : إنشاؤه خلقا آخر تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة : في الطفولة ، والكهولة ، والاغتذاء ، ونبات الشعر ، والسن ، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ